حيدر حب الله
126
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
* عندما نتعامل مع النصّ القرآني بوصفنا مفسّرين له ، فهناك مستويان : المستوى الأوّل : تفكيك النصّ وتحليله وتركيبه مع سائر النصوص مقارنةً ومقاربةً ، للخروج بدلالاته ومعطياته ، وهذا هو عمل المفسّرين عبر التاريخ ، وهو عمل مشروع ينطلق من دلالات النصّ نفسه ، فلا نحمل على النصّ شيئاً ولا نزد عليه ولا ننقص منه قدر ما يمكننا ويوفّقنا الله في هذا الإطار . المستوى الثاني : تكملة العناصر الفارغة من الصورة التي قدّمها لنا النصّ ، أو الإجابة عن تساؤلات أو فرضيات محتملة لم يحكِ النصّ عنها ، ولكنّنا نحاول أن نحلّل الأسباب أو الأمور التي تكون خلف الحدث الذي يحكي النصّ عنه ، لتكتمل عندنا الصورة بشكل أكبر ، كما في الحالة التي تسألون عنها ، إذ ما يبدو لي هو أنّ القرآن لم يشر إلى السبب في تأخير إنزال العذاب بقوم فرعون إلى هذه اللحظة بالذات ، ولماذا لم يهلكهم قبل ذلك بعشرة أيام مثلًا ؟ في هذه الحال يجب على المفسّر البحث في ثنايا النصّ القرآني هنا أو هناك ، علّه يجد إشارةً لقانونٍ من سنن التاريخ يفيد في هذه القصّة أو تلك ، لكن إذا لم يعثر - وأنا شخصيّاً لم أعثر هنا على ذلك في موضع سؤالكم - فيمكنه الرجوع إلى النصوص الدينية المعتبرة الأخرى إذا توفّرت في هذا المضمار ، وإلا فإذا أسعفنا العقل والعلم بمعطى يقيني مؤكّد وعلمي فلا بأس ، ومن دون ذلك فلا يخلو قولنا من الظنّ والترجيح ، وعلينا أن نقول ذلك بوضوح حتى لا نفسّر القرآن أو نحلّل الوقائع أو ننسب للإرادة الإلهيّة شيئاً بغير علمٍ ولا حجّة ولا بيان . وكثيراً ما يقع المفسّر أو المتكلّم أو الخطيب أو الواعظ في عمليّة الدمج بين تحليله الترجيحي - وهو يتعامل مع نصّ قرآني أو حديثي - وبين تفسيره للنصّ ، فيقدّم لنا تحليله المخارج للنصّ بلغةٍ توحي وكأنّ ذلك تفسيراً للنصّ نفسه ،